زاوية سيدي إسماعيل . . بين مطرقة الفساد الإداري والاحتقان الاجتماعي؟
من زاويتي:
بقلب : محمد رضوان
. . وأنا عائد إلى مسقط رأسي من
منفاي الاختياري ، الحافلة ثقيلة ودقات قلبي سريعة وعقارب الساعة بطيئة للقاء
الأهل والأحباب. كلما اقتربت من سيدي اسماعيل ازدادت الأشواك –عفوا- أقصد الأشواق
وازددت لها حبا وتغلفت الأشياء بلون الذهب : الأصدقاء والحيطان والشوارع والأزقة
ووجوه الناس . . ما أجمل العودة إلى وطن الطفولة الندي والذكريات الجميلة .
عند مدخل الزاوية تستقبلك علامة واقفة بجانب الطريق
مكتوبة عليها عبارة: " سيدي إسماعيل ترحب بكم " يا سلام . .
نعم يرحب بكم بالغبار، الذباب، الأزبال، الروائح
الكريهة، القطط الصديقة والكلاب الضالة . وتستقبل استقبال الأبطال من طرف البغال
والحمير بالنهيق والزغاريد. صياح الباعة يسابق الرياح وأكوام البضاعة المتراكمة في
كل مكان وزمان والطريق تختنق بالمحركات، المنبهات والدخان. وأجمل حائط في الزاوية
يحمل لوحة اشهارية رائعة: " ممنوع البول" . . كأن الزاوية خرجت من حرب
عالمية ثالثة.
هذه الزاوية . . ومن ينكر ذلك؟ الدم المهراق على إسفلت
الشارع، أبوابها الضخمة القديمة الباردة تحمل ساكنة ثقيلة.
المتسولون والمشردون يملأون الطرقات. هل رأيتم رجلا يأكل
من قمامة الأزبال؟ لن يصدق أحد ذلك لكني رأيته بأمي عيني التي تبكي على حال
والأحوال عباد الله.
المجرمون والمنحرفون والحشاشون وقاطعوا الطرق وناهبو
المال العام ومصاصو الدماء يملأون الطرقات يفزعون الأطفال، الأرامل، اليتامى
والعجائز. هذه هي الزاوية.. ومن ينكر ذلك؟ المسئولون والمنتخبون هم من ينكر
ذلك.
الحياة في الزاوية أصبحت لا تطاق. الغلاء والظلم والرشوة
والفقر والجهل ووووووووو . .
اليوم .. اليوم شربت الشاي الحلو
في مقاهي زاوية سيدي اسماعيل العتيقة البليدة التي تنبث كالفطر المسموم في كل مكان
هذه الأيام وسأخبركم فيما بعد عن سر تكاثرها . . اليوم شربت الشاي. وكان للأصدقاء
حضور بهي. الكل يضحك الأصدقاء، النادل والشمس فوق رؤوسنا تضحك والزمان علينا كذلك
يضحك. وقلت: لا لا.. لا يمكن أن تكون هذه هي الزاوية. ما عهدت شوارعها متشققة،
محفرة، مغبرة. ما عهدت حيطانها متصدعة، متداعية، باهتة. ما عهدت رجالها شاحبة
معروقة ذابلة . ما عهدت شبابها يشيخون قبل الوقت. ما عهدت أطفالها يموتون قبل
الولادة. ما عهدت نساءها، بناتها يلبسن الحداد يبكين في ثوب السواد . ما عهدت
الأسد يلد كلبا . . ما عهدت هذا. لا ولن تكون هذه هي الزاوية.
اليوم . . شربت الشاي المر وكان
الأصدقاء يضحكون، وحتى النادل مازال يضحك ، هذا النادل النذل يريد أن يستدرجني في
الكلام . . أنا أعلم أنه مخبر سري. يا للوغد. يضحك فرحا بمهنته، أقصد الثانية يضحك
بكل بلادة لا يعرف أنه مستغل وخائن ومساهم في شن الحرب الثالثة على الساكنة .
وأنا أتجول في الهاوية (الزاوية) رأيت
مواطنيها يشتكون من ارتفاع المعيشة، من تردي المرافق والخدمات الاجتماعية. وأصبحت
فاتورة الماء والكهرباء والكراء تثقل كاهلهم (اللي هزوا الما ضربو الضو شدو مول
الكرا)، والضريبة تثقل جيوبهم المثقوبة. أما التعليم جميعا من أجل انتظار نجاح
مدرسة الفشل والصحة الله يعطيها الصحة شعارها "الصحة لا للجميع". و
البطالة تنخر شبابها قبل كبيرها هذا هو سر توالد وتكاثر المقاهي المسمومة لأنه لا
عمل سوى القيام بمهمة المخبر ومراقبة المارة ذهابا وإيابا وشرب كؤوس الهزيمة وتدخين
سيجارة النسيان والاستماع إلى موسيقى الغيوان والعيطة وأم المكتوب.
وأنا أمشي . . في الزاوية كانت
خطواتي تغوص في حفر الشارع وبرك المياه الراكضة والنائمة منذ زمن بعيد في انتظار
اصلاح شبكة الواد الحار ذو الرائحة الزكية. ضغطت بأسناني العليا على شفتي السفلى
حتى أدميتها. بلعت ريقي، كان مرا مرارة العلقم ومرا مرارة قهوة الزاوية السوداء وصادف
ذلك مروري من أمام مقر الجماعة بصقت على حائطها الذي بكى دما وحرقة على ما أصبحت
عليه سيدي اسماعيل الذي لم يبق من سيدي إلا لالة ومن إسماعيل إلا الإسم ولم يبق من
الزاوية إلا الهاويه .
هذه الزاويه . . زاويتي زاويتكم...
(يتبع)

Commentaires
Enregistrer un commentaire